Go back

التحديات والفرص أمام مشاركة النساء في حوكمة وإدارة المياه في اليمن

17/03/2026

في 24 فبراير 2026، نظم المعهد الأوروبي للسلام حواراً عن بُعد بين ممارسين وخبراء بعنوان «التحديات والفرص أمام مشاركة النساء في حوكمة وإدارة المياه في اليمن». أدار هذا النقاش كل من هشام العميسي (المستشار الأول للشؤون اليمنية) وكاميلا ريزنفيلد (المستشارة الأولى لشؤون الإدماج وعمليات السلام)، وجمع ناشطات ميدانيات من محافظات يمنية مختلفة – بينها عدن وتعز وحضرموت والمهرة ومأرب – ومن بينهم وسيطات، ومهندسات بيئة، ومسؤولات محليات، وقياديات من المجتمع المدني، ومقدمات مساعدة قانونية، وممثلات يعملن مع النازحين والمجتمعات المهمشة.

في جوهره، أكد النقاش بوضوح لا يقبل الجدل نقطة واحدة: عدم الاكتفاء بالحضور الشكلي للنساء بل إشراكهن بشكل حقيقي وهادف ودعمهن بموارد كافية وحمايتهن بفعالية، كون ذلك سيساعد في تحوّل إدارة المياه من كونها عاملاً يغذي التوتر والهشاشة إلى أداة قوية لبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء القدرة على الصمود على المدى الطويل.

افتتحت بولين شوفو (مسؤولة برنامج النوع الاجتماعي وبناء السلام)الحوار بوضعه في سياق المبادرة البحثية الأوسع «كسر الحواجز، صنع السلام» الممولة من وزارة الخارجية الألمانية. وأوضحت السؤال التوجيهي للمبادرة: ما الذي يُمكّن فعلياً من مشاركة النساء المؤثرة في عمليات السلام، بعيداً عن الشعارات؟ ومستندة إلى أحدث نتائج أبحاث المعهد، أكدت “بولين” استمرار بُنية النظام الذكوري المتجذّر التي لا تزال تشكل هياكل السلام الرسمية. كما أبرزت نمطاً متكرراً يظهر عبر سياقات مختلفة وهو: حين يرتكز بناء السلام على الواقع المحلي – أي الأرض وسبل العيش والبيئة والبقاء اليومي – لا تكون النساء مجرد أطراف هامشية، بل هن فاعلات محوريات.

من جانبها، أطّرت كاميلا ريزنفيلد (المستشارة الأولى لشؤون الإدماج وعمليات السلام) النقاش مستعينة بتجارب مقارنة من عمليات سلام في سياقات مثل كولومبيا. وأشارت إلى أدلة تثبت أن عمليات السلام الشاملة أكثر استدامة، لكنها شددت أيضاً أنه في لحظات تعثر أو تشتت المفاوضات على المستوى الوطني، تصبح المبادرات المرتكزة محلياً أكثر أهمية. وأضافت أن حوكمة البيئة – وإدارة المياه على وجه الخصوص – توفر مدخلاً ملموساً لبناء السلام من القاعدة إلى القمة. ورغم أنها غالباً لا تُصنف كـ «عمليات سلام»، فإن الوساطة المجتمعية حول الآبار وأنظمة الصرف الصحي والري والتلوث تشكل جهوداً يومية لحل النزاعات وتمنع العنف وتحافظ على التماسك الاجتماعي.

هذا وقدمت سعاد عبدالله (قائدة المشروع المحلي) أبرز النتائج من زيارتها الميدانية الأخيرة إلى عدن وحضرموت والمهرة، استناداً إلى مقابلات أجرتها مع وسيطات، ومسؤولين بيئيين، وفاعلات في المجتمع المدني، ونساء من المجتمعات المهمشة، حيث درست تقاطع إدارة المياه والنزاع مع أدوار النساء في اليمن. وفي هذا السياق، سلطت الضوء على ما يلي: (1) النساء وسيطات ناجحات لكنهن ما زلن مستبعدات، (2) الإقصاء المنهجي متأصل في المؤسسات، (3) المبادرات التي تقودها النساء ناجحة لكن غياب الدعم يعطلها ويوقفها، (4) المجموعات المهمشة تعاني في صمت.

هذا وركزت المشاركات على التحديات والفرص لتمكين المبادرات المحلية التي تقودها النساء، وتعزيز مشاركتهن في حل النزاعات المتعلقة بالمياه وإدارة الموارد. كما ناقشوا إمكانية استغلال ملف المياه كأداة لبناء السلام، وبناء الثقة، والدبلوماسية. وتقدمت المشاركات بتوصيات محددة موجهة للمجتمع الدولي لمعالجة هذه التحديات، مع التركيز بشكل خاص على تجاوز العوائق أمام إدماج وإشراك النساء.

العوائق والتحديات الرئيسية

حددت المشاركات شبكة مترابطة ومعقّدة من العوائق الهيكلية والسياسية والأمنية التي تقيّد مشاركة النساء الفاعلة في حوكمة وإدارة المياه وبناء السلام البيئي في اليمن.

على المستوى المؤسسي، تظل النساء مغيّبات إلى حد كبير عن لجان تنسيق الموارد، وعن عمليات التخطيط والتقييم والتنفيذ. وحيثما كنّ حاضرات، فإن تمثيلهن غالباً ما يكون رمزياً – أي تعيينات مدفوعة بمتطلبات المانحين وليس انطلاقاً من قيادة حقيقية. كثير من النساء العاملات في القطاع الحكومي يفتقرن إلى صلاحيات رسمية في مجال السياسة أو صنع القرار، وإلى تفويض واضح أو مسؤوليات محددة، ويواجهن اسلوب متجاهل أو متعالِ عندما يطالبن بحقوقهن المهنية. تُضاعف المؤسسات العامة الهشة والمشرذمة من هذا الإقصاء: فَجمع بيانات غير دقيقة، وغياب الشفافية من الوزارات، وتداخل الاختصاصات المؤسسية، والفساد، ونقص الخبرة الفنية، كلها تقوّض تماسك واتساق السياسات واستدامة المشاريع.

تعزز الهياكل الاجتماعية والسياسية هذا التهميش والاقصاء. فَشبكات السلطة الذكورية المهيمنة، وأنظمة المحسوبية الحزبية، وغياب الإرادة السياسية الحقيقية، كلها تستبعد النساء اللواتي لا يملكن دعماً سياسياً قوياً بشكل منهجي. كما أن النساء المهمشات، والريفيات، والنازحات، والشابات، وذوات الإعاقة، يُقصين بشكل خاص من حيز صنع السياسات، بينما تفشل المشاريع قصيرة الأجل والقائمة على التمويل المؤقت في معالجة هذه العوائق المتجذرة، ويبقى التمويل الموجه للمبادرات التي تقودها النساء أو المبادرات النسوية غير كافٍ وغير مستقر.

هذا وتُعدّ المخاطر الأمنية جسيمة، حيث تواجه الوسيطات والمدافعات عن قضايا البيئة الترهيب من الجماعات المسلحة، وحملات التشهير، والتهديدات لعائلاتهن، وفي بعض الحالات الاعتقال. ومع هيمنة سياق يتعرض فيه حتى كبار المسؤولين الذكور للهجوم، يُفاقم غياب أطر الحماية من هشاشة الدور القيادي للنساء. فَحتى الوزيرات المعينات حديثاً يواجهن تهديدات بسبب انعدام آليات الحماية. علاوة على ذلك، فإن الظروف الأمنية الهشة وانتشار السلاح يجعلان حتى النزاعات المائية البسيطة قابلة للتصعيد إلى مواجهات مسلحة.

تفاقم ديناميكيات النزاع حول المياه من مواطن ضعف النساء. استُخدمت المياه كسلاح حرب من خلال قطع الإمدادات عمداً وتلويثها بشكل مقصود. كما أن الصدمات المناخية – بما في ذلك الأعاصير في المحافظات الشرقية – دمرت بنى تحتية كانت أصلاً تفتقر إلى القدرة على التكيّف مع الصدمات. وفي مناطق النزوح، يؤجج التوزيع غير العادل وغير المتكافئ للمياه التوترات، وغالباً ما يضر ذلك الأرامل والنساء اللواتي لا يدعمهن رجال. على مستوى الأسرة، يساهم الضغط البيئي في تصاعد العنف القائم على النوع الاجتماعي، بينما تقضي النساء والفتيات ساعات طويلة في جلب المياه، مما يحد من فرصهن في الحصول على التعليم، وفرص كسبهن للدخل، ومشاركتهن في الحيز المدني.

أخيراً، تحدّ القيود المفروضة على التنقل، وعوائق الحصول على التأشيرات، والاستحواذ النخبوي على الفرص، من مشاركة النساء والشباب في المنتديات الدولية المتعلقة بالمناخ والمياه. تواجه الناشطات البيئيات الشابات هجمات على مصداقيتهن من قبل «الخبراء» المُتمكِّنين، مما يقلص أكثر من المساحة المدنية. وتكشف هذه التحديات مجتمعة أن استبعاد النساء من حوكمة وإدارة المياه ليس أمراً عرضياً، بل هو متجذر هيكلياً عبر الأبعاد المؤسسية والاجتماعية والأمنية.

الفرص والتوصيات

أكدت المشاركات على الحاجة الملحة إلى اتخاذ الإجراءات التالية:

التمويل المستدام والتمكين الاقتصادي:

هناك حاجة ماسة إلى تمويل طويل الأمد ومَرن ومستدام للمبادرات التي تقودها النساء، خصوصاً في مجالات التكيف مع المناخ، وإدارة الموارد الطبيعية، والاقتصاد الأخضر. ينبغي أن يدعم هذا التمويل الوصول إلى الأسواق، والبرامج الصغيرة لتوليد الدخل، وتوسيع نطاق مبادرات الشابات الخريجات، مع تعزيز التعاون عبر القطاعات والعمل الجماعي. إلى جانب ذلك، على المنظمات وضع استراتيجيات خروج منظمة لتجنب تعطيل المشاريع المحلية، كما يجب أن تمتد الاستدامة المالية إلى السكان النازحين، من خلال تحسين ظروف المعيشة وتوزيع المياه بشكل متكافئ وعادل.

بناء القدرات والتدريب المتخصص وتبادل المعرفة:

 يُعدّ التدريب الموجّه في مجال إدارة النزاعات البيئية، وإدارة الموارد الطبيعية، وحل النزاعات، والوساطة، ومهارات الإعلام أمراً أساسياً لتمكين النساء من أن يصبحن بنّاءات (صانعات) سلام فاعلات. فالاستثمار في مدربين محليين مؤهلين يضمن تثقيفاً يراعي السياق المحلي. كما أن إنشاء شبكات خبراء نسائية، وبرامج إرشاد مشتركة بين الأجيال، وشراكات مع الشباب – بما في ذلك مبادرات التثقيف البيئي (أو محو الأمية البيئية) في الجامعات – من شأنه أن يعزز تبادل المعرفة والابتكار وأفضل الممارسات عبر القطاعات.

المشاركة الجامعة وإشراك المجتمعات المحلية:

يجب إشراك النساء – بما في ذلك النازحات والريفيات وذوات الإعاقة والنساء من الفئات المهمشة – بشكل حقيقي وهادف في تصميم المشاريع واتخاذ القرارات والجهود الوساطية المحلية. يساهم رفع الوعي على مستوى المجتمع المحلي في إبراز النساء كوسيطات فاعلات وبنّاءات (صانعات) سلام بيئي، وليس كمستفيدات غير فاعلات. كما أن النُهُج التشاركية، مثل جمع البيانات، ومشاريع تجميع المياه، والحوار بين السكان النازحين والمجتمعات المضيفة، تعزز الشعور بالملكية والشفافية والتخطيط المراعي لظروف النزاع. فضلا عن ذلك، فإن إنشاء مراكز وساطة مجتمعية متخصصة تشارك فيها النساء من شأنه أن يعزز جهود بناء السلام المحلية.

توفير الحماية وصون الحقوق والاعتراف بدور الناشطات:

تشمل الحماية الشاملة للناشطات والوسيطات ضمان سلامتهن الذاتية، واستقرارهن المالي، وإعمال حقهن بالعمل، والاعتراف بدورهن داخل المؤسسات العامة وخارجها. ومن الضروري اتخاذ إجراءات متكاملة للتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف المنزلي المرتبط بالموارد. كما أن دعم اللوجستيات المرتبطة بسفر النساء وحصولهن على التأشيرات اللازمة للمشاركة في المنتديات الدولية، وتعزيز عمل المجالس الاستشارية النسائية والمنظمات المحلية، من شأنه أن يضمن ظهورهن المهني وتأثيرهن ومشاركتهن في صنع القرار الوطني.

السياسات والحوكمة وتعزيز المؤسسات:

 يساهم تعزيز قدرات المؤسسات العامة في ردم الفجوات القائمة في الخبرات والاعتماد على بيانات غير دقيقة، ويضمن تخطيطاً مرناً يراعي ويتكيّف مع السياق. كما أن الالتزام بأطُر حقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949، يحمي الوصول العادل إلى المياه ويمنع استغلال الموارد  في سياق النزاع. فضلا عن ذلك، من شأن إحياء الإرادة السياسية لتنفيذ الاتفاقيات الموجودة على الورق دون تطبيق – مثل اتفاق الحوبان – ودعم قواعد بيانات المياه التشاركية والرصد الشفاف، أن يضمن حوكمة الموارد بشكل مستدام وقائم على الحقوق.

المياه كأداة لبناء السلام:

تُعد إدارة المياه محور التدخلات المراعية للنزاعات، حيث ان تدريب مستخدمي المياه على إدارة هذه الموارد، وتحسين البنية التحتية في مخيمات النزوح، وتعزيز الحوار بين النازحين والمجتمعات المضيفة، من شأنه أن يُعزّز نتائج مبادرات بناء السلام. كما أن دعم المشاريع المحلية التي تولد دخلاً من خلال مبادرات مرتبطة بالمياه، وإنشاء مجالس قانونية متخصصة في شؤون المياه، وإدراج المياه كركيزة أمنية في محادثات السلام، سيعزز دور النساء في بناء السلام البيئي وإدارة الموارد بشكل مستدام.

—- إن تمكين المبادرات المحلية التي تقودها النساء وتعزيز مشاركتهن في حل النزاعات المتعلقة بالمياه أمر حاسم لإدارة المياه بشكل مستدام، ذلك أن النساء غالباً ما يتحملن المسؤولية الأساسية عن جلب المياه واستخدامها في كثير من المجتمعات. وعليه، سيؤدي إشراكهن إلى نتائج أكثر فعالية وإلى تحقيق الإنصاف والعدالة. علاوة على ذلك، يمكن أن يفضي تنفيذ الاستراتيجيات بالتعاون مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات إلى أنظمة مياه أكثر فعالية، ومساواة أكبر بين الجنسين، وتقليل النزاعات